صديق الحسيني القنوجي البخاري

149

فتح البيان في مقاصد القرآن

الكتاب عليهم كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب فكأنه قال ومنهم أهل كتاب ، وقيل هم نصارى العرب وقيل هم قوم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم لذنوب ارتكبوها ، وقيل هم المجوس حكاه المهدوي وقيل غير ذلك والراجح الأول ، وقيل أميون أي عوام ومن هذا شأنه لا يطمع في إيمانه . لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ أي أنهم لا علم لهم به إلا ما هم عليه من الأماني التي يتمنونها ويعللون بها أنفسهم ، والأماني جمع أمنية وهي ما يتمناه الإنسان لنفسه ، فهؤلاء لا علم لهم بالكتاب الذي هو التوراة لما هم عليه من كونهم لا يكتبون ولا يقرؤون المكتوب ، والاستثناء منقطع أي لكن الأماني ثابتة لهم من كونهم مغفورا لهم بما يدعونه لأنفسهم من الأعمال الصالحة أو بما لهم من السلف الصالح في اعتقادهم ، وقيل الأماني الأكاذيب المختلفة ، قاله ابن عباس أي ولكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليدا من المحرفين أو مواعيد فارغة سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا ، وقيل الأماني التلاوة ، ومنه قوله تعالى : إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [ الحج : 52 ] أي إذا تلى ألقى الشيطان في تلاوته أي لا علم لهم إلا مجرد التلاوة من دون تفهم وتدبر ، وقراءة عارية عن معرفة المعنى ، وقيل الأماني التقدير ، قال الجوهري يقال مني له أي قدر ، قال في الكشاف والاشتقاق من منى إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويحرز ما يتمناه ، وكذلك المختلق والقارئ يقدران كلمة كذا بعد كذا انتهى ، وقيل هو من التمني وهو قولهم : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] وغير ذلك مما تمنوه ، والمعنى لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم . وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي ليسوا على يقين ، والظن هو التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم كذا في القاموس ، أي ما هم إلا يترددون بغير جزم ولا يقين : وقيل الظن هنا بمعنى الكذب وقيل هو مجرد الحدس . لما ذكر اللّه سبحانه أهل العلم بأنهم غير عاملين بل يحرفون كلام اللّه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ، ذكر أهل الجهل منهم بأنهم يتكلون على الأماني ويعتمدون على الظن الذي لا يقفون من تقليدهم على غيره ولا يظفرون بسواه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 79 إلى 80 ] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 ) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ الويل الهلاك قال الفراء الأصل في الويل